أحمد بن محمد ابن عربشاه

180

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

المدام وسماع الأنغام ومغازلة الغزلان ومعاقرة الندمان ، وإحياء الليل عمر ثان ، فإذا نام واستراح امتد نومه إلى الصباح فلا يوقظه إلا عياط الوزير وصراخ ذلك الصائح النذير . فلما طال عليه المطال وغلب عليه من ذلك الملال ، أرصد للوزير في الطريق من منعه عن التكبير بالتعويق ؛ فتصدى له الرصد وأعروا رأسه والجسد وأخذوا قماشه وسلبوا رياشه ، فرجع إلى بيته مكرها ولبس ثيابا غيرها فأبطأ في ذلك اليوم وتخلف في الخدمة عن القوم ، ولم يجيء إلا وقد استيقظ كسرى من النوم وهو جالس في صدر الإيوان وحواليه مباشر والديوان ، وسائر الوزراء والأركان وعامة الجند والأعوان ، كل في مقامه ضابط زمامه ، فأدى بزرجمهر وظائف الخدمة على عادته ، ووقف في مكانه مع جماعته ، فقال كسرى : ما دعا مولانا الوزير في هذا اليوم المنير إلى التخلف والتأخير وترك التبكير وانشاده بالتبكير قول الشاعر الكبير : بكرا صاحبي قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير « 1 » فقال : إن الحرامى عارضني أمامى وقصدني في ظلامى ، فأخذ شاشى وسلبنى قماشى ورياشى ، فرجعت إلى كناسى ، وجددت زينتى ولباسى ؛ فهذا سبب تأخيرى وعدم تبكيرى وموجب تخلفي عن وعظى وتذكيري . فقال كسرى : ما أفادك التذكير إلا الغرامة في التبكير ؛ ولولاه ما سلب القماش ولا ذهب الرياش ولا قام الحرامى بالمعاش ، فأين الفلاح في القيام قبل الصباح ؟ فقال بزرجمهر في الحال وقد أصاب في الجواب : ليس ذلك كذلك يا إمامي ، وإنما بكر قبلي الحرامى ولم أباكر أنا بالنسبة إليه ، فرجع فائدة تبكيره منى عليه ، فعجب كسرى من خطابه وسرعة بديهته في جوابه .

--> ( 1 ) الهجير : شدة وقت الظهيرة .